السيد عبد الأعلى السبزواري
229
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
وأما احتمال أن فرق البحر وهذه الآيات الباهرة كانت من مجرد مجاري الطبيعة من المد والجزر ونحوهما ، كما عن بعض المفسرين المنكر للمعجزات وخوارق العادات . فهو ساقط مطلقا ، لكونه مخالفا لنص الآيات القرآنية ، وما ذكر مفصلا في التوراة ، كما لا يخفى على من راجعها . قوله تعالى : فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ . النجاة هي الانفصال والخلاص ، واستعمل هنا في مقابل الغرق . وأصل الغرق هو التجاوز عن الحد المعتبر في الشيء وغالب استعمالاته في القرآن إنما هو بالنسبة إلى فرعون وآله ، وقوم نوح ؛ والأول إضافي ، والثاني كلي عالمي ؛ والنظر : هو الإقبال إلى الشيء فإن كان بالقلب يسمى فكرا واعتبارا ، وان كان بالعين يسمى نظرا ورؤية ، وإن كان باليد سمي لمسا إلى غير ذلك من مصاديق معنى الإقبال والتوجه بالمعنى العام . وإنما ذكر تعالى آل فرعون ولم يذكر غرق نفسه ، لأن المراد من الآية هو استيصالهم رأسا فيشمل غرق نفسه أيضا ، مع أن ذكره في آيات أخرى يغني عن ذكره هنا ، قال تعالى : وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [ سورة يونس ، الآية : 90 ] . وإنما ذكر سبحانه وتعالى ( النظر ) لأنه بالنسبة إلى هلاك العدو وغرقه سرور عظيم لبني إسرائيل فتكون النعمة عليهم أتم وأعظم . وفي هذه الآيات المباركة اعتبار عجيب لمن اعتبر ، فإن فرعون افتخر بملك مصر ، وجريان الأنهار من تحته فأغرقه تعالى وأهلكه في ما افتخر به ، وهذه هي سنة اللّه تعالى في كل من غفل عنه وجعل همه في غيره جل شأنه ، قال تعالى : « وعزتي وجلالي وعلو شأني ، وارتفاع مكاني لأقطعن أمل كل مؤمل غيري ، ولأكسونه ثوب المذلة والأياس » . بحث اجتماعي : ثم إنّ هنا بحثا اجتماعيا ، وحاصله أنه يمكن إرجاع كل اختلاف واقع بين أفراد الإنسان - ومنه الاختلاف بين بني إسرائيل وقوم فرعون - إلى أحد